نسبة علم التصوف
اختلف العلماء في سبب تسمية علم التصوف بالتصوف إلى أقوال كثيرة والذين تحدثوا عن التصوف والصوفية اختلفوا في أصل الكلمة واشتقاقها وكذلك اختلفوا في نسبة الصوفية اختلافاً كبيرا , فالمؤيدين والمعارضين للتصوف لم يتفقوا على نسبة للتصوف ، كما أن الصوفيين أنفسهم لم يتفقوا على شيء من ذلك ولكن نذكر أشهر الأقوال في ذلك :
1. من الصفاء وهو أصح الأقوال وأرجحها . وقد ذهب الكلاباذي إلى أن أصل الصوفية ينتسبون إلى الصفاء وأنهم سموا صوفية لصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم ( التعرف لمذهب أهل التصوف ص 24 ) .
وفي هذا أنشد الأمام تقي الدين السبكي لأبي الفتح البستي :
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا قدما و ظنوه مشتقا من الصـوف
ولست انحل هذا الاسم غير فتـى صافي فصوفي حتى لقب الصوفي
2. وذهب قوم إلى أن كلمة الصوفية نسبة إلى الصوف وذلك لأن النسبة إلى الصوف صوفي وممن رجح هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في الفتاوى والسهروردي في عوارف المعارف وابن خلدون في مقدمته وكذلك القشيري في رسالته وحجتهم على صحة هذه النسبة : إن الصوف لباس الأنبياء وخاصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا عيسى عليه السلام وهو لباس الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصوفية المتقدمين رحمهم الله تعالى وأن لبس الصوف هو أقرب إلى التواضع والخمول والذل .
وقال ابن عجيبة ( هذا الاشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة , لأن لباس الصوف حكم ظاهر على الظاهر ونسبتهم إلى غيره أمر باطن ,والحكم بالظاهر أوفق وأقرب ) إيقاظ الهمم في شرح الحكم .
3. وقال آخرون إن كلمة الصوفية نسبة إلى أهل الصِّـفة وهم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينزلون في مكان خلف الحجرات في المسجد النبوي وعرف المكان باسمهم وكانوا متفرغين للعبادة وللمجاورة وهم فقراء المهاجرين الذين ليس لهم مأوى .
4. وقيل إن التصوف نسبة إلى الاتصاف بالصفات الحميدة وترك الصفات الذميمة ( نشأة التصوف الإسلامي : د. إبراهيم بسيوني ص11 ) .
5. وقالوا نسبة الصوفية إلى ( سوفيا ) اليونانية ومعناها الحكمة , والقائلين بذلك حجتهم أن القوم كانوا طالبين للحكمة حريصين عليها فأطلقت عليهم الكلمة وعربت أو حُرِّفت فأصبحت صوفية وصوفي . ( نشأة الفلسفة الصوفية ص108 ) .
6. وقيل من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له , التدبير لله .
7. وقيل من صوفة القفا للِّينها فالصوفي هين لين .
8. وقيل أنه من الِصفة إذ جُملته الاتصاف بالمحامد وترك الصفات المذمومة .
9. وقيل أنهم ينتسبون إلى الصفوة باعتبارهم صفوة الله من خلقه وإنهم النخبة المصطفاة من الأمة .
10. وقيل أيضاً أنهم منسوبون إلى الصف الأول المقدم في الصلاة والمقدم بين يدي الله عز وجل .
وفي الختام فإن أرجح الأقوال في نسبة التصوف فهو إلى الصفاء والصوف ومهما كانت نسبة كلمة التصوف فهي غير ضرورية عندما نبين حقيقة التصوف وتعاليمه التي كلها نابعة من تعاليم الشريعة السمحاء .
ويرى الإمام القشيري ـ في الرسالة القشيرية ص183 : أن التصوف اسم عَلم على طائفة الصوفية بغض النظر عن اشتقاق الكلمة والأصل الذي أُخِذت عنه .
والذي أراه أن التصوف نشأ نشأةًّ إسلامية مستقاة من النصوص الشرعية في الزهد وترك الدنيا وملذاتها . فلذلك البحث في أصل الكلمة ليس له تلك القيمة التي نقف عليها ولكن المهم الذي نقف عليه هو حقيقة التصوف وقواعده ومنهجه وهذا ما سيأتي بيانه .
بقلم: الشيخ مخلف العلي الحذيفي القادري الحسيني
|