الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . الحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وأكرمنا بنعمة الإيمان والإسلام . وأشهد أ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وأشهد أن سيدنا و نبينا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله r الذي يبعث يوم القيامة أول الخلائق وصاحب لوائح الحمد , وآدم ومن دونه تحت لوائه يوم لا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا , والناس كلهم حفاة , عراة ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ) , ( الأخلاء بعضهم يومئذٍ لبعض عدو إلا المتقين ) والشمس تدنو من رؤوس الخلائق قدر ميل ويغوص الناس في عرقهم حسب أعمالهم فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه ومنهم إلى ساقيه ومنهم إلى ركبتيه ومنهم إلى خصره ومنهم إلى صدره ومنهم إلى أذنيه ومنهم من يغوص في عرقه ومنهم من يكون تحت ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله فهذا هو اليوم الذي قال عنه ربنا يوم عند ربك كخمسين ألف سنة مما يعدون . ويضج أهل المحشر متى يبدأ ربنا بالحساب من يكلم الله , من يشفع عند الله ليبدأ بالحساب . والناس يتوجهون إلى أدم أبو البشر فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضبه قبل اليوم , اللهم نفسي .. نفسي اذهبوا إلى نوح فيذهبون فيقول مثل أدم : اذهبوا إلى إبراهيم , فيقول مثل ما قال نوح : اذهبوا إلأى موسى ثم عيسى ثم يذهبون إلى سيد السادات , إلى منتهى الغايات سيدنا محمد r فيقول : أنا لها أنا لها أنا لها , فيذهب فيسجد تحت العرش فينادى يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفه تشفع ثم يؤذن بالحساب فيدخل أهل الجنة إلأى الجنة وأهل النار إلى النار ويدخل من أمة محمد إلى النار فيضجون ويستصرخون , فيسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العرش ويقول الله : يا محمد اذهب واخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان , ثم يقول : يارب هناك بقية من أمتي في النار فيقول الله : اذهب واخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان , ثم يقول يارب هناك بقية من أمتي في النار , فيقول : يا محمد اذهب واخرج من كان في قلبه ذرة من إيمان , ثم يقول : يارب هناك بقية من أمتي في النار , فيقول : ليس لك بعد هذا من شيء , فإذا بالكرم الرباني ينادي سيدنا محمد : يا محمد بعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخْرِجنَّا منها من قال لا إله إلا الله . فبالله عليكم من له نبي كنبينا , من له رسول كرسولنا من له شفيع كشفيعنا r أفلا يستحق أن نحبه وأن نفنى بحبه أكثر من أنفسنا ومن أولادنا وأموالنا وأرواحنا والناس أجمعين .
بح بالغرام ما عليك من جناح في حب من تسعى له الأرواح
بحر العلوم تلاطمت أمواجه والنور حول مقامه وضَّــاح
من ذا يلمني في الأنين والبكا والنوق حول مقـامه ترتـاح
وتمد من طول الجفا أعنـاقها شوقاً إليه ودمعهــا سيـاح
لما أتت وادي العقيق تباشرت وبــدا لها بعد الظلام صباح
قلبي تولـع بالحجـاز وأهله يا حسـرتي بعد التولع راحوا
قوم إذا سمعــوا بذكر محمد شقوا الثياب من الغرام وساحوا
صلى عليك الله يا علم الهدى ما جـاء من بعد الظلام صباح
اللهم صلى على هذا النبي الكريم صاحب الخلق العظيم وعلى آله وصحبه أجمعين . أوصيكم عباد الله ونفسي أولا بتقوى الله العظيم , اتقوا الله حق تقاته , ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . واستفتح بالذي هو خير , فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
أما بعد فيا أمة الحبيب الأعظم : لقاءنا اليوم مع محبة رسول الله r وما أطيب اللقاء عندما يكون الحديث عن سيدنا محمد r, ما أطيب اللقاء عندما يكون مع هذه الوجوه الطيبة طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلة , فأعيروني قلوبكم لنعيش هذه اللحظات مع سيدنا محمد r الذي تطيب القلوب بذكره وتطرب الأسماع بسيرته العذبة الندية وتطيب الأرواح به , فأكثروا من الصلاة عليه ولا تكونوا بخلاء عليه بالصلاة عليه , فالبخيل من ذكر الحبيب ولم يصلي عليه . وهذا اللقاء يكثر فيه ذكر النبي r , فهيا بنا نخوض في رحاب محبة رسول الله r التي هي فرض على كل مسلم ومسلمة وأصل عظيم من أصول ديننا وفقدانها مصيبة عظيمة من أعظم مصائب هذه الأمة وقد يعجب البعض من هذا بل أنها أعظم من هذا , فإن الإنسان المسلم عندما يحب رسول الله r ويتشرب هذه المحبة وتفيض على جوارحه تهون عليه مصائب الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات وهفوات وتعظم في قلبه محبة الله والآخرة , فيلتزم بما أمر الله ويجتنب عن ما نهى الله وزجر عنه وعندها تصير الدنيا ذليلة خاسئة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( توشك أن تتآكل عليكم الأمم كما تتآكل الجماعة على قصعتها , قال أو من قلة نحن يا رسول الله , قال بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن الله في قلوبكم الوهن , قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا و كراهية الموت ) ( أخوف ما أخاف عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم )
ما الذي أوصل الأمة إلى هذا الحال : هو حب الدنيا و لا يقضي على حب الدنيا إلا حب الله وحب رسوله وحب من يحبها وحب عمل صالح يقرب إلى حبها هذه هي قيمة المحبة واسمعوا إلى رسول الله حيث يربط الإيمان بمحبته ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين , فلا يكتمل إيمان العبد حتى يكون رسول الله أحب شيء إليه بعد الله , فلذلك كان الصحابة خير هذه الأمة وصفوتها لأنهم أحبوا رسول الله r أكثر من أولادهم وأموالهم وأهلهم والناس أجمعين , ولن نستشعر معنى المحبة وحلاوتها إلا إذا عزمنا كيف كان حبهم لرسول الله هذا الحب الذي سجل على مر التاريخ وما عرف التاريخ أمة أو قوماً أو ملة أحب قائدهم ونبيهم مثلما أحب أصحاب محمد محمداً . فهيا بنا يا أحباب رسول الله يا عاشقين جمال محمد ننتقل الآن مباشرة إلى رحاب المدينة المنورة إلى رحاب طيبة الطيبة لنعيش ونرى بعض الصور والصفحات المشرقة مع أحباب رسول الله الذين قال فيهم رسول الله : ( الله في أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . فهيا بنا إلى هناك وما أدراك ما هناك
إلى طيبة عرج فإن بني قبابها حبيب لا دواء القلوب طيب
إذا لم نطب في طيبة عند حب بها طابت الدنيا فأين تطـب
فهذا سيدنا عمر بن الخطاب يخرج مع رسول الله في المدينة , فيأخذ رسول الله بيد عمر ويقول : يا عمر أتحبني ؟ فقال : نعم يا رسول الله , فقال رسول الله : أكثر أم مالك يا عمر ؟ فقال : بل أنت يا رسول الله , فقال رسول الله : أكثر أم ولدك , فقال عمر : بل أنت يا رسول الله , فقال أكثر أم نفسك , قال : بل نفسي يا رسول الله , فقال : لا يا عمر لا يكمل إيمانك , وهنا ذهب عمر ثم عاد فقال : يا رسول الله إني أحبك أكثر من نفسي , فقال الآن .. الآن يا عمر فيقول عبد الله بن عمر فتعجبت من أبي كيف تبدل حاله بهذه السرعة , فسألته فقال : يا بني سألت نفسي , أنا أحوج إلى نفسي أم إلى رسول الله , فنظرت أن نفسي لا يأتي منها إلا كل شر وتذكرت جاهليتي ونظرت إلى رسول الله فوجدته لا يأتي إلا بكل خير , كنت ضالاً فهداني الله به أخرجني من الظلمات إلى النور وعندها كان رسول الله أحب إلي من نفسي ومن مالي وولدي ووالدي والناس أجمعين .
وهذا هو ثوبان رضي الله عنه يجلس مع أمه وهو خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومولاه ولطالما لازمه , تسأله أمه : يا ثوبان منذ متى لم ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : منذ ثلاثة أيام , فقالت : عجباً , كيف يصبر أحدكم عن حبيبه ثلاثة أيام , فخرج ثوبان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تغير لونه وشحب وجهه , فلما مثل أمام رسول الله نظر إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال له : ما غير لونك يا ثوبان , فقال يا رسول الله والله ما بي من وجع ولا علة غير أني أحبك يا رسول الله فإذا خرجت من عندك اشتقت لك يا رسول الله ثم تفكرت في يوم القيامة , فأنك تكون في مقام صدق عند الله مع النبيين وأنا إن دخلت الجنة قد لا أراك فيها . الله .. الله .. الله يا ثوبان ما هذا الهم الذي أرق عيشك , ما هذا الهم الذي غير لونك , ما هذا الهم الذي أشحب وجهك .. ليت شعري .. لو أنك ترانا يا ثوبان , ليتك ترى الهموم , نحن أيضا نحمل هموم مثلك .. هم الطعام والشراب أرق عيشنا , هم البيوت غير لوننا , هم النساء أشحب وجوهنا ... فشتان ما بين همنا وهم ثوبان .. الله .. الله .. الله يا ثوبان ما هذا الحب وما هذا العشق الذي مليء قلبك يا ثوبان
خليلي إن الحب من أعظم البلوى فلا عذّب الله المحب الذي يهوى
إليكم تذل النفس وهـي عـزيزة وليست تذل النفس إلا لمن تهوى
إني وإن أتيــت ذنبـاً فجئتكـم راجـياً متشفعـاً ارتجي العفوى
فقولو عفا الرحمن عمـا قد مضى وخلوا بساط الهجر من بيننا يطوى
فانزل علينا صبراً يا من بصبـره أنزل على قوم موسى المن والسلوى
وفي هذه الأثناء ها هو أمين وحي السماء يجتاز السبع الطباق حاملاًُ معه البشرى السارة والفرحة الكبرى لهذا العاشق الولهان المحب العظيم ( ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) .
وهذا هو الصحابي الجليل زيد الذي أسره المشركون في مكة في يوم الرجيع وعندما سيق إلى
وهذا هو مصعب بن عمير الصحابي الجليل في غزوة أحد الذي كان يحمل الراية بعضديه ثم طعن بصدره فسقط على الأرض شهيداً ولما انتهت المعركة وجد وقد كب على وجهه بالتراب خجلاً من أن يرى رسول الله يؤذى ولا يستطع أن يدافع عنه ولما أرادوا دفنه لم يجدوا ثوباً يكفنوه به , فغطوا رأسه فانكشفت ساقيه , فغطوا ساقيه فانكشف رأسه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غطوا رأسه وضعوا على رجليه حشيشاً أخضر . وها هو معاوية ابن أبي سفيان خليفة المسلمين يأمر بإجراء بئر إلى الم .... فنبشت قبور بعض الصحابة وكان منهم مصعب فإذا به كأنه قتل الساعة , الدم أحمر , رائحته كالمسك والعشب مازال أخضر كما هو نعم قال الله ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون )
هم بالحبيب محمد وذويه إن الهيام بحبه يرضيه
جسد تمكن حب أحمد فيه تالله إن الأرض لا تبليه
وهذا هو الصحابي الجليل أبو طلحة الذي قاتل في سبيل الله في أحد , ولما سقط النبي صلى الله عليه وسلم في الحفرة انقض وجعل من نفسه ترساً يحمي رسول الله ويقول نحري دون نحرك يا رسول الله وكان يصد كل سيف وكل رمح وكل سهم بظهره وبصدره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فما الذي دفعه لهذا إنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذه صورة من أعظم صور المحبة هذه المرأة التي كانت تسقي المسلمين فلما انقلبت موازين المعركة ورأت المشركين يتكالبون لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منها إلا أن تركت السقاية وسارعت للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا هو أبو قمتة يأتي بعد أن قُتِل مصعب بن عمير يقول : أين محمد لا نجوت إن نجا , فلما همَّ لقتل النبي صلى الله عليه وسلم , وكان أبو طلحة يحميه بنحره ما كان من نسيبة إلا أ، تصدَّت له وراح يضربها بسيفه على يدها وتضربه هي حتى كاد أن يقطع يدها , لكن لم تتراجع وبقيت تدافع عن رسول الله حتى حملت عليه فهرب أمامها , فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليها وقال : من يطيق مثلما تطيقين يا أم عمارة , قالت : أطيق وأطيق .. و أطيق يا رسول الله , ولكن أسألك مرافقتك في الجنة , فقال : أنت رفيقتي في الجنة . وورد في بعض الروايات أنها كانت حامل فجاءها الطلق في المعركة من هول ما لاقت , فربطت أسفل بطنها , وقالت : أثبت بني , فلست أعز علي من رسول الله .
نسأل الله أن يذيقنا حلاوة محبة رسوله والحمد لله رب العالمين . |