أما بعد أيها المؤمنون : تكلمنا في لقاءنا الماضي عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ولقاءنا اليوم يكون عن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم , التي تدل على صدق المحبة , والعلامات كثيرة جداً . فحيا الله هذه الوجوه الطيبة طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً . فأعيروني قلوبكم وأسماعكم لنمضي في رحاب لقاءنا الخامس من لقاءات المحبة وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحتنا نقسم لقاءنا إلى ما يلي :
1- التمسك بشريعته السمحاء والاقتداء بهديه ونسبه والسير على منهاجه عليه الصلاة والسلام .
2- توقيره وتعظيمه عليه الصلاة والسلام .
3- تعظيمه عند ذكر وعدم ذكر كلمة النبي أو الرسول أو سيدي وذكر حديثه
4- الصلاة والسلام على رسول الله .
5- زيارة النبي صلى الله عليه وسلم .
هذه هي خمس علامات من علامات محبة رسول الله وهي من أجلَّ العلامات .
أولاً : التمسك بالشريعة والاقتداء بالسنة :
قال الله تبارك وتعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) لقد جعل الله محبته مقرونة بأتباع النبي صلى الله عليه وسلم , وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) . فمن أدَّعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم فعليه الدليل والبرهان ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) , فإنا نقول له لكل شيء حقيقة فما حقيقة محبتك ؟ وحقيقة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأتَّباع
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هل لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنــعمة منه وأنت لشكر ذاك مضيع
محبته صلى الله عليه وسلم إذا ما خالطت الجسد والقلب والروح فاضت على كل الجوارح فإذا به يتقفى خُطى رسول الله وآثاره وسننه وآدابه فيعمل بها . أما رأينا كيف كان حال الصحابة عندما أحبوا رسول الله صار كل واحد منهم صورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أينما حلُّّوا وذهبوا في طعامهم وشرابهم ولباسهم ونومهم . وعن أنس رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن قدرت أن تمسي وتصبح وليس في قلبك غش لأحد فافعل ثم قال : يا بني إن ذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة ) ومن هنا أن من أراد أن يحب رسول الله فليعمل بسنته , فما هي إلا أيام وإذا بمحبة رسول الله بدأت تدخل إلى قلبه . فكل سنة من سننه هي نور فكلما زادت سنة في حياتك زاد نور في حياتك .
ثانياً : توقيره وتعظيمه عليه الصلاة والسلام :
قال الله تعالى : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ) إن في هذه الآية الكريمة دليل واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار على وجوب تعظيم النبي واحترامه وتوقيره وعلو ذكره , كيف لا وقد رفع الله ذكره , هذا الذي يذكر في كل يوم خمس مرات في الأذان وخمس مرات في الإقامة وخمس مرات في التحيات وعشر مرات في الصلوات الإبراهيمية وهذا كله على مدار أ{بع وعشرين ساعة , فما من لحظة تمر في اليوم إلا و يذكر رسول الله هذه الأذكار , لأن الأرض تدور حول الشمس , والأذان والصلاة متعلق وقته بدوران الشمس , فما من لحظة إلا ويرفع الأذان في الأرض , فلا يكون الأمة إلا تنظيم شعائر الله ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) ألا وإن من أعظم شعائر الله هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
( فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) .
(وهذا عروة بن مسعود من زعماء الشرك في مكة يرسله أهل مكة ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية . فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاوضه , فيدنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : أرأيت إن استأصلت قومك , هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى (غلبوك) فإني والله لأرى وجوهاً , وإني لأرى اشواباً من الناس ( أخلاطاً) خليقاً أن يفروا ويدعوك . فقال أبو بكر له : امصص بظر اللات , أنحن نفر عنه وندعه , فألتفت إليه قائلاً : من ذا , قالوا أبو بكر , فقال : أما أنه لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك , ثم جعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم , فكلما تكلم أخذ بلحية النبي صلى الله عليه وسلم . وكان المغيرة بن شعبة يقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وكلما مد عروة يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضربه عروة بنعل السيف ويقول آخر يدك عن لحية رسول الله . فلما رجع عروة رمق الصحابة بعينيه . فلما عاد إلى قومه قال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى ملك الفرس وعلى قيصر ملك الروم وعلى النجاشي ملك الحبشة , فما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم محمداً صلى الله عليه وسلم , والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف أحدهم , فدلك بها وجهه وجلده , وإذا أمرهم ابتروا أمره , وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه , وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده , وما يحدون النظر إليه تعظيماً له . وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ) .
إن هذه صورة بارزة حية أوضحها هذا المشرك مبيناً تعظيم الصحابة للرسول الأكرم وتبركهم في آثاره , فلذلك أيها الأخوة من المصائب الكبرى في أمتنا هي عدم تعظيمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فعظموه و أحبوه واحترموه فلا فلاح لنا إلا بمحبته صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : تعظيمه عند ذكره وذكر حديثه صلى الله عليه وسلم :
العلامة الثالثة من علامات محبته صلى الله عليه وسلم هي أن نعظم من ذكره ولو رجعنا إلى القرءان الكريم لوجدنا أن الله خاطب الأنبياء فقال : ( يا آدم ... يا إبراهيم ... يا نوح ... يا موسى ... يا عيسى ... يا داوود ... ) لكنه لم يقل في كتابه الكريم يا محمد إنما قال : ( يا أيها النبي ... يا أيها الرسول ) وذلك تعظيماً من الله لنبيه الكريم . وأننا نجد أناساً اليوم يقولون محمد هكذا دون أي مقدمات وهذا ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . ومن الأدب أنك إذا أردت أن تذكره فقل قال رسول الله , قال النبي الكريم .... ولا تقل قال محمد فإنها قلة أدب , فما ورد عن أحد الصحابة أنه قال : قال محمد , كانوا يقولون : قال رسول الله , أوصاني حبيبي , أوصاني خليلي . ومن كمال الأدب أن نخاطبه بقولنا قال سيدنا رسول الله , والعجب كل العجب أن البعض يقولون لا يجوز أن نقول سيدي لأنه ميت , اسمعوا إلى الأحاديث التي جاءت تصف رسول الله بالسيادة : ( أنا سيد ولد أدم ولا فخر ) , وقد ورد عن ابن مسعود أنه قال : إذا صليتم على رسول الله فأحسنوا الصلاة فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرض عليه , فقالوا له علمنا , قال فقولوا : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين .
وقد وصف الله سيدنا يحيي ( وسيداً وحصوراً ) , وقال رسول الله عن فاطمة ( سيدة نساء الجنة ) , وقال عن الحسن ( إن أبني هذا سيد ) , وقال للأنصار : ( قوموا إلي سيدكم سعد بن معاذ ) , أفلا يكون لرسول الله هذه السيادة أنه أحق من هؤلاء , لأنه هو سيدهم وسيد العالمين .
أما تعظيم الأحاديث الشريفة فهي مصيبة كبرى وقع بها المسلمون اليوم , فالواحد منا يسمع حديث رسول الله يُروى ولا يبالي ولا يتأثر ولا يلقي أي أهمية هذا مضجع , وهذا يُدخن , وهذا يتكلم وهذا يقاطع . أي أدب هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان الصحابة عندما يسمعون حديث رسول الله وكأن على رؤؤسهم الطير ويبكون . روى أن الأمام مالك رضي الله عنه كان يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلدغه عقرب سبع عشرة لدغه ولم يتحرك حتى أصفر لونه ولم يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الأمام مالك رضي الله عنه وأرضاه لا يسير في المدينة ألا وهو حافي لكي لا يطأ بنعله موضعاً وطأته قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أما العلامة الرابعة والخامسة وهما عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره الشريف , فكل واحدة تحتاج إلى لقاء كامل .
ولقاءنا القادم يكون عن زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما إن أحيانا الله والحمد لله رب العالمين . |