آثار محبة الله تبارك وتعالى
للشيخ مخلف بن يحيى العلي الحذيفي القادري الحسيني
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . سبحانك اللهم لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . اللَّهُمَّ إنا أسألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذي يُبَلِّغُنِا حُبَّكَ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إِليناَ مِنْ أنَفْسِنا وَأهْلِنا وَمنَ المَاءِ البارِدِ. اللهم أحيي قلوبنا بمحبتك وأفض علينا من أنوار محبتك وافتح علينا فتوح العارفين الواصلين الكاملين فتوح المحبين المحبوبين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، من قالها خالصة من قلبه دخل الجنة ، روى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله .
وأشهد أن سيدنا و مولانا وقرة أعيننا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة 40 .
خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة أحب البلاد إليه إلى مدينة يثرب سراً بصحبة أبي بكر الصديق رضوان الله عليه وها هي قريش كلها تستنفر على قدم وساق تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعلن مكافئة قدرها مئة ناقة لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً أو يدلهم على مكانه ولكن هيهات هيهات فالله خاطبه قائلاً : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) المائدة 67 (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا) الحج 38 . وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى يثرب وإذا بسراقة بن مالك يستدل من أحد الأعراب على الطريق التي سلكها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيلحق به طمعاً بالمائة ناقة وها هو سراقة يرى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه ولكن هنا تظهر أسرار قول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا) فما كان من حصان سراقة إلا أن تعثر المرة بعد المرة ويسقط سراقة عن ظهره ولما دنا سراقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ به يغوص هو وحصانه في الرمال وهنا علم سراقة بأن هذا الذي أمامه ليس بساحر وليس بشاعر وليس بكاهن وليس بمجنون إنما هو نبي مرسل من الله الذي لا إله إلا هو الواحد القهار وسبحان مقلب القلوب والأحوال أصبح الطارد مطروداً وها هو سراقة يطلب الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه الأمان على أن لا يدل عليهم وأن يضلل قريش عن رسول الله ففعل سراقة بن مالك ورجع وكلما رأى أحداً من قريش يتجه في هذا الطريق قال ارجعوا فإني كفيتكم فإن هذا الاتجاه لم يسلكه محمد صلى الله عليه وسلم . أتدرون ما معنى هذا كله؟ معناه هو (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا)
اللهم صلي على هذا النبي الكريم صاحب الخلق العظيم الذي أرسلته رحمة للعالمين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكـم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكـنه فيه العفاف وفيه الجـود والكرم
أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته عند الصراط إذا ما الخلق تزدحم
أوصيكم عباد الله ونفسي أولاً بتقوى الله العظيم اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واستفتح بالذي هو خير فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .
أما بعد .... أيها المؤمنون :
تكلمنا في لقائنا الماضي عن محبة الله تبارك وتعالى وعرفنا أنها أحلى ما في الدنيا ولقاءنا اليوم هو عن آثار محبة الله تبارك وتعالى على العبد فكما قلنا أنها أحلى شيء في الدنيا وأنها إذا دخلت على العبد ظهرت آثارها عليه ولمحبة الله عشر علامات كلها عظيمة وهي :
حلاوة الأيمان : روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثَلاَثٌ مَنْ كُنّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبّ إِلَيْهِ مِمّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبّهُ إِلاّ لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُود فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النّارِ. وحلاوة الأيمان هذه أيها الأخوة فقدناها وما عاد لها وجود والله
حلاوة الأيمان هي التي جعلت من إبراهيم بن ادهم يقول لو علم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف
حلاوة الأيمان هذه هي التي جعلت من مصعب بن عمير هذا الصحابي الشاب الجليل الذي كان من أجمل شباب مكة كان إذا مر في طريق من طرق مكة ومررت بعد ساعة عرفت أن مصعب قد مر من هذا الطريق لأنك ستجد ريح مصعب مازال فيه ، وكانت الفتاة إذا رأت مصعب سرت اليوم كله وكان من أغنى شباب مكة فترك هذا كله وأتبع النور الذي أنزل على سيدنا محمد وآمن به وقيدته أمه في بيتها ولكنه تركها وهاجر إلى المدينة ممثلاً أول سفيراً في الإسلام وما بقى بيت في المدينة المنورة إلا ودخل فيه الإسلام .
وها هو يقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسمعوا إلى أبي بكر الصديق كيف يروي لنا دخول مصعب على رسول الله عليه وسلم يقول : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب خشن مرقع وقد شحب لونه وأصفر وجهه فلما وقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت الصحابة كلهم وكأن على رؤؤسهم الطير وإذا بالصحابة كلهم يبكون من نظرهم إلأى مصعب كيف كانت حاله وكيف أصبح فيقول أبا بكر والله لقد رأيت هذا الشاب وليس في شباب مكة من هو أحسن منه ثياباً ولا أحسن منه عطراً .
من الذي جعل مصعب يفعل هذا ويتحول هذا التحول ؟! من غير حلاوة الأيمان ,
حلاوة الأيمان هي التي جعلت سعد بن أبي وقاص يقول لأمه التي أضربت عن الطعام لا تأكل ولا تشرب وقيدت نفسها تحت حر الشمس حتى تجبر سعدا أن يرجع عن دينه .
حلاوة الأيمان جعلته يقول لها يا أماه لو أن لك مائة نفس تخرج كلها الآن أمام عيني على أن أرجع عن ديني ما رجعت أبداً وما تركت هذا الدين .
اللهمَ ارزقنا حلاوة الأيمان وأحيي قلوبنا بحلاوة الأيمان برحمتك يا أرحم الراحمين .
هذه هي العلامة الأولى من علامات وآثار المحبة الإلهية .
أما بقية العلامات فكلها جاءت بقول رب العزة جلَّ وعلا في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إن اللَّه تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما يتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصـره الذي يبصـر به ، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته .
دفاع الله عن أحبابه : قال تعالى (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) وخير شاهد على هذا هو الخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه جلس تحت ظل شجرة بعد إحدى الغزوات فعلق سيفه على غصن شجرة فإذا بأعرابي يقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ سيفه ثم قال من يعصمك مني الآن يا محمد فما كان من الحضرة المحمدية والإشراقة النبوية المحفوظ بالرعاية الربانية المعصوم من الأذية الإنسانية إلا أن قال : الله وما إن خرجت كلمة الله حتى اضطربت جوارح الأعرابي وأصيب بالخوف والفزع والهلع وسقط السيف على الأرض واستعاده الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم قال : من يعصمك الآن مني ؟ فقال : يا محمد كن خير آخذ فقال أذهب فقد عفوت عنك .
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منها وما يتعـشق الكبراء
زانت في الخلق العظيم شـمائل يغري بهن ويولع الكرماء
وإذا عفـوت فقـادر ومقـدر لا يستهين بعفوك العظماء
حب الله تبارك وتعالى : قال تعالى (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) ومن أحبه الله لا يعذبه أبداً. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة ؟ قال: (وماذا أعددت لها). قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنت مع من أحببت). قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت) . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سبقكم أبا بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن سبقكم بشيء وقر في قلبه
وهذه العلامة من أعظم العلامات وأي شيء أعظم من أن يحبك الله تعالى جل في علاه.
الالتزام بحدود الله تعالى بالحلال والحرام والسنن والنوافل : قال تعالى (وما يتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه ) وقال تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) .
فالعبد إذا أحب الله رزقه الله الاستقامة والالتزام على منهج الله تبارك وتعالى فيصير يعظم السنة ويحلل ويحرم الحرام روي أن أبا بكر القواريري وهو من شيوخ البخاري جاءه جماعة من الناس فشغلوه عن صلاة العشاء في المسجد فصرفهم وخرج مسرعاً لعله يدرك صلاة الجماعة ولكن دون جدوى فرجع إلى بيته وصلى العشاء ثمان وعشرين مرة عله ينال أجر الجماعة فلما نام رأى جماعة من الفرسان وهو منهم لكنه متخلف عنهم ويسعى جاهداً لإدراكهم دون جدوى فالتفت إليه أحدهم وقال لا تحاول لن تدركنا لأنك ضيعت الجماعة .
وروي أن حاتم الأصم أراد أن يدخل المسجد فمد يده إلى جيبه فلم يجد السواك فلم يجرؤ على دخول المسجد بدون سواك فنظر فإذا برجل يحمل سواك فقال أتبيع السواك فقال نعم فقال بكم فقال بدينارين فقال أشتري فقال أحدهم أتشتري سواك بدينارين وتشتري فيهما حزمتين فقال خشيت أن أدخل المسجد وأصلي دون سواك فأموت فيسألني ربي استكثرت سنة رسولي بدينارين . فمن أحب الله كان حريصاً على الحلال والحرام .
كان الله في سمعه وبصره إذا سمع وإذا أبصر : قال تعالى (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصـره الذي يبصـر به ) ومعناه أن يتولى الله سمعك وبصرك وخير شاهد على هذا هو الخبر الذي جاء عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة فإذا به ينادي بأعلى صوته : يا سارية الجبل الجبل أعادها ثلاث مرات فدهش الصحابة رضوان الله عليهم وكان في نفس الوقت جيش المسلمين في بلاد فارس يسير ليدخل في وادي وكان قد نصب كمين للمسلمين وقد رأى هذا الكمين الفاروق عمر فنادى بأعلى صوته لينجد المسلمين من هذا الكمين آلاف الكيلومترات وكشف الله عن بصره عمر ورأى الجيش وأما السمع فإن الجيش الذي يقوده سارية كله سمع نداء سيدنا عمر وتنبه للكمين ولجأوا للجبل فكان النصر للمسلمين بفضل الله ثم بفضل إكرام الله تبارك وتعالى لعمر رضوان الله عليهم أجمعين .
كنت يده التي يبطش بها : قال تعالى ( ويده التي يبطش بها ) ومعنى هذا أن يؤيد الله تبارك وتعالى يد أحبابه فيحفظها فلا تمتد إلى حرام ولا تبطش بالباطل إنما تمتد بالحلال وتضرب بالحق و إذا ضربت كانت قوية يجعل الله فيها قوة خارقة لا تخيب ولا تخطئ بالحق قال تعالى (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى) ومثال هذا تلك الصخرة التي تعذر على الصحابة كسرها في حفر الخندق فكسرها النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ضربات
وهذا هو سيدنا علي كرم الله وجهه في غزوة خيبر عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم اليوم أعطي الراية لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله بعد أن عجز كبار الصحابة عن فتح حصن خيبر وكان علي كرم الله وجهه قد أصيب بالرمد في عينه فمسح النبي صلى الله عليه وسلم عليها فكأن لم يصبها الرمد أبداً وفتح حصن خيبر على يد علي كرم الله وجهه وأفضل موقف وصورة في هذه المعركة هي ذاك اللقاء بين سيدنا علي وزعيم حصن خيبر مرحب الذي كان قد أُخبر من العرافين أنه يقتل على يد رجل يقال له حيدر ولما التقى بسيدنا علي كرم الله وجهه وكان اسمه مرحب حمل على سيدنا علي وهو يلبس درعين و عمامتين وأنشد قائلاً :
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحـروب أقبلت تلهب
فرد علي كرم الله وجهه عليه قائلاً :
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث الغابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
فضرب علياً فأوقع ترسه وكسره فحمل سيدنا علي باب حصن خيبر فترسى به ثم ضرب مرحباً ضربة كسر ترسه وشقت العمامتين فظفر وشقت هامته إلى أسنانه وأرداه قتيلاً فهذه اليد هي يد رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله:
كنت رجله التي يمشي بها : ومعناها أن يطوي الله لأحبته الزمان والمكان وأن يحفظ رجل من يحبه فلا يسير بها إلا إلى حلال وإلى ما أحب الله . يسير إلى بيوت الله تبارك وتعالى وإلى دروس العلم والذكر وفي سبيل الله ويجعل الله في قدميه قوة خارقة في أجتياز الزمان والمكان كما حدث مع سيد السادات ومنتهى الغايات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به إلى الأقصى ثم عرج إلى السماء ورجع في ليلة واحدة ووجد فراشه ساخناً . وهذا أيها الأخوة يكون ايضاً لبعض الأولياء ممن أحبهم الله تبارك وتعالى ومن نظر إلى هذا بإيمانه وبعين قلبه وحده ممكناً أما من نظر بعقله وحده مستحيلاً فهذا هو سيدنا سعد بن أبي وقاص في معاركه مع الفرس عبر نهر دجلة بحصانه وجيشه لم تبل أظفار الأبل وكذلك أبو العلاء الحضرمي الذي وقف على بحر البحرين وقال : اللهم إن كنت تعلم أنا خرجنا في سبيل الله فسخر لنا البحر ثم أجتاز على الماء وعبر الجيش كله ولم تبتل أظفار الأبل هذه الأرجل التي مشيت على الماء أرجل رجالاً أحبهم الله لأنهم أحبوا الله .
إذا سأل الله أعطاه وإذا استعاذ به أعاذه : فالذي يحب الله ويحبه الله عزوجل لا يرد الله تبارك وتعالى له الدعاء ولا يسلط عليه أحد . إذا استعاذ به أعاذه ولم يتردد أبداً . روى أنس وأبي بن كعب رضي الله عنهما " كان رجلاً يكنى أبا معلق الأنصاري خرج في سفرة من أسفاره وكان تاجر يتجر بمال له ولغيره وكان له نسك وورع فخرج له لص وهو يصلي فقال : ضع متاعك فإني قاتلك قال : شأنك بالمال فقال اللص لست أريد إلا دمك قال فذرني أصلي قال صل ما بدالك فتوضأ ثم صلى ثم دعا قائلاً : يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبديء يا معيد يا فعالاً لما يريد أسألك بنور وجهك الذي ملاء أركان عرشك وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت بها على جميع خلقك وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت يا مغيث يا أغثني يا مغيث أغتني يا مغيث أغثني .وإذا بفارس بيده حربة فلما رآه اللص ترك التاجر ومضى نحوه فلما دنا منه طعنه فارداه عن فرسه قتيلاً وقال الفارس للتاجر : أنا ملك في السماء الرابعة لما دعوت الأولى سمعنا لأبواب الجنة قعقعة فقلنا أمر حدث ثم دعوت الثانية فتحت أبواب السماء ولها شرر ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل عليه السلام ينادي من لهذا المكروب فدعوت الله أن يوليني قتله واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك في كل شدة أغاثه الله وفرًّج عنه . فأحبوا الله يحبكم ويستجيب الدعاء لكم ويعيذكم .
عدم إساءة المؤمن الذي يحب الله : اخيراً أيها الأخوة إن الذي يحب الله يحبه الله ومن أحبه الله لا يؤذيه ابداً وإن أصيب بمصيبة فلرفع مقامه فالمسلم مقامه عظيم عند الله فكيف بالمسلم الذي يحب الله ويحبه الله . سأل سيدنا موسى ربه جلَّ وعلا : يارب لما جعلتني كليمك وجعلت محمد حبيبك وما الفرق بينهما ؟ قال : " يا موسى أما الكليم فهو يطلب رضاي وأما الحبيب فأنا أطلب رضاه " قال الله على لسان موسى ( وعجلت إليك رب لترضى ) وقال عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) :
خليلي إن الحب من أعظم البلوى فلا عذب الله المحب الذي يهــوى
إليك ربي تذل النفس وهي عزيزة وليست تذل النفس إلا لمن تهــوى
فلا تحوجوها بالسؤال لغيركــم فيسئل من يسوي ومن لم يكن يسوي
أني وإن أتيت ذنباً فحييكــــم متشفقاً راجياً ارتجـــــي العفوا
فقل عفى الرحمن عما قد مضى وخلي بساط الهجر من بيننا يطـوى
فانزل علينا صبراً يا من بصبره أنزل على قوم موسى المنَّ والسلوى
ألقيت هذه الخطبة في مسجد النهضة - سورية – محافظة الرقة – مدينة الثورة
الثالث من شهر صفر لسنة 1427
الثالث من شهر آذار لسنة 2006 |