حكم النفث اثناء القراءة
مسألة النفث عند القراءة تأتي على جهتين :
الأول : ما ذهب إليه السادة الحنابلة : من أن النفث ليس مستحسناً ولا مستحباً, وإنما يقرأ الإنسان على الماء بدون نفث.
الثاني : ما ذهب إليه الجمهور, وهو رواية عند الإمام أحمد ــ أيضاً ــ أن النفث حسن.ٌ
ولكن كما ذكر جماعة, كابن حجر الهيتمي في آخرين: أن ذلك يُراعى فيه نفث المرء,فإذا كان فيه داءٌ بريقه : كأن يكون عنده زكام ,أو أن يكون عنده أنفلونزا,أو يكون عنده شيء من الأمراض فلا يفعل هذا؛ لأن وباء الفم سيخرج مع الريق حينئذٍ في النفث,فيكون فيه ضرر ربما متعدٍ إلى الغير في ذلك, وهذا معروف عند أهل الطب ، ومن يزاولون هذه المهنة .
الثانية : ما يتعلق بالتفرقة بالتفرقة في ذلك ، على ما قرره جماعة كالسفاريني و غيره ، وهو أن هناك فرقاً بين شيئين :
الأول : ما يطلب أثر المرء فيه: كماء ليقرأ الآيات فيه أو نحو ذلك, فهذا لا بد فيه من نفث .
الثاني : ما لا يطلب فيه ذلك كأن يقرأ على إنسان برقية ، فهذا لا يطلب فيه أن تنفث عليه ، فتقرأ ربما نفثت وربما لا تنفث, ولذلك خرج ابن ماجه في:
» سننه « من حديث عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ولاه على الطائف ، ثم قفل عائداً ، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا رسول الله حال الخبيث بيني و بين صلاتي )) , وفي رواية : (( حِيلَ بيني وبين صلاتي )) , قال: النبي صلى الله عليه وسلم (( ادْنُه )) ( أي : اقترب مني ) فلما دنا ضربه النبي صلى الله عليه وسلم على صدره ضربة , فثع ثعة ، فقال الرسول: (( اخرج عدو الله أنا رسول الله )) ( ) .
والمراد: أن المرء يأتي بما سبق, وهو نُشْرَةٌ جائزةٌ ,ولا حرج فيها .
الثاني : نُشْرَةٌ بحل السحر بسحرٍ مثله, فهذه قالوا: " تدخل في عمومات النشرة " فَذِكْرُ ما ذهب إليه ابن منبه وغيره, إنما هي ذِكْرُ صورٍ لا ذكرُ قاعدة كلية في ذلك, فيدخل فيه ذلك .
ويؤكد هذا الثاني شيئان:
§ الأول: ما ذهب إليه سعيد بن المُسَيَّب في آخرين ـ من السلف ـ أنهم جوزوا حل السحر بسحر مثله ,وقالوا: " إنَّما النَّهي عَََََمَّا فيه ضررٌ لا عَمَّا فيه فائدةٌ " , أي : أن حل السحر بسحر مثله هذا فيه فائدة للمسحور, ولذلك لم يُنهى عنه عندهم , وأما ما فيه ضرر من التفريق, والإضرار بالآخرين فهذا هو المنهي عنه, فجمعوا بين النصوص في ذلك , وخبر ابن المُسَيَّب خرَّجه عبد الرزاق في » مصنفه « وذكره جماعة : كابن جرير الطبري في تفسيره في آخرين .
§ الثاني : الضرورة والاحتياج, قالوا: لأن الضرورات تبيح المحظورات,
وقد جاء عند ابن مـاجه, والدار قطني, وحـسنه النووي أن الـنبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا ضرر و لا ضرار )) ، والمشقة تجلب التيسير, وهي قاعدة متفق عليها في ذلك, فقالوا: حينئذ يصح عند وجود المشقة الظاهرة, التي تجعل المرء يضطر إلى الذهاب للساحر؛ حتى يفك سحره في ذلك, فله أن يذهب إلى ساحر كافر: يهودي, أو نصراني, أو ساحر مرتد لم يُقم عليه الحد في بلد مسلم ـ مثلا ـ أو نحو ذلك؛ ليفك عنه السحر على هذا القول, وهذا فيه فسحة لكثير من الناس المتضررين من السحر, لكونهم ذهبوا إلى قُراء , وقرؤوا عليهم ونحو ذلك.
§ ويشار هنا إلى مسألة القراءة و الرقى هذه فإن القراءة على الناس نوعان
الأول: قراءة عامة يملكها كل إنسان يحسن القراءة وهو موحد, وربما نفع أولم ينفع,فيقرأ ,وينفث على المحل الذي يقرأ فيه, أو يقرأ بلا نفث, فإن ذلك كله جائز؛ لأنه أولى مما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المرء إذا أتى إلى أخيه المريض وعاده ,فإنه يدعو له بالشفاء فيقول: (( أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيك سبعاً )) ومن جنس ذلك الرقية بالقرآن, وبالآثار الواردة في ذلك : أن يُرَقى بها.
الثاني : أن يكون ذلك خاصاً ,وهذا لا يصلح له كل أحد, ويدل على أنه خاص ببعض الناس:
§ ما جاء عند أبي داود وغيره ,أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: (( بريقة بعضنا يشفى سقيمنا )) أي: ببعض أمة محمد يشفى السقيم, وليس كل ريق من ريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشفى به.
§ و كذلك في:« صحيح مسلم»من حديث أبي سعيد الخدري: لما أتاهم أناس لدغ سيدهم قالوا: أفيكم راق ؟ فأقر النبي صلى الله عليه وسلم القصة في الجملة, وأخذ من الجُعْل الذي أُعطوا إياه, مما يدل على أن الإقرار صحيح, وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر على ذلك, أي : على أنهم بحثوا عن راق يرقي في ذلك.
وعليه فلا بأس أن يكون هناك خصوصية في الرقية, و أما ما يقوله بعض الناس: لا تظن في أحد أنه يرقي, وأن فيه فائدة, فستقول ـ أيضاً ـ :لا تظن أن هناك طبيباً فيه فائدة ,ولا مهندساً فيه فائدة, ولا ميكانيكياً فيه فائدة, والناس كلهم سواسية بالنفع والضر, وهذا فرق بَيِّنٌ بَيْن شيئين ( ) :
الأول: بين النفع و الضر المؤثر, فهذا إلى الله تعالى , فلا نافع و لا ضار
إلا هو على وجه الحقيقة .
الثاني : النفع والضرر السببي الذي يتعاطاه الناس, فهذا صحيح, و لذلك الناس وإن قالوا هذا بألسنتهم ؛ لكن قلوبهم لا تستطيع أن تؤمن به؛ لأنهم يلمسون الأثر في التفريق بين الناس: بين إنسان يقرأ وفي رقيته أثر , وبين آخر يقرأ وليس لرقيته أثر, وهذا صحيح ، و لذلك كان الناس يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرقيه ، فتأتي المرأة معها جارية أو رضيع ؛ حتى يرقيه النبي صلى الله عليه وسلم ، أو تأتي الجارية السوداء ، فتقول : إن الجني يصرعني أو الخبيث يصرعني كما في : » صحيح مسلم « و نحو ذلك ، فكانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لو كانت القضية قضية أن كل إنسان يرقي نفسه لما كان ذلك متجهاً من النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أن لله في البسيطة أنبياء ، وأولياء ، وهؤلاء ليسوا كبقية البشر والناس ، فالنبي صلى الله عليه وسلم مقامه وهبي ، أي : الله يهب لمن يشاء النبوة و لا تكون إلا في رجل شرعاً ، و الولاية كسبية عادة ، أي : الإنسان يكتسبها ، و أي المقامين أفضل من حيث النظر إلى الكسب أو الوهب ؟ .
الكسب هو أولى من الوهب على ما عليه الجمهور ، و لذلك ذكر جماعة من الأئمة أن النبوة دون الولاية ، و مرادهم فيمن اجتمع فيه هذان الشيئان ، أي: من كان نبياً ولياً ، فأيهما أولى من الآخر فيه ، هل هو الكسبي أم الوهبي : الجمهور على أنه الكسبي و ليس الوهبي ، فظن بعض الناس أن الخلاف هل الأولياء أفضل أم الأنبياء أفضل ، و هذا محل إجماع لا خلاف فيه ، فإنه لا خلاف في أن الأنبياء أفضل من الأولياء مطلقاً : عند أهل السنة و عند الفقهاء ، و إنما الخلاف فيمن اجتمع فيه الولاية والنبوة ، أيهما أفضل فيه هل هو الوهبي أم الكسبي : فالجمهور على أن الكسبي أفضل من الوهبي ، و لذلك قالوا : الولاية أفضل من النبوة من هذه الجهة ، فتنبه .
) قال شيخنا –رحمه الله – : ( وهذا فيه دلالة على أنه لا حوار مع الجن , أو الشياطين التي في أجساد الناس التي تمسهم ما يفعله بعضهم يقول نحاور الجني و ربما نهديه إن شاء الله إلى الحق و نحو ذلك هذا جائز و ليس محرماً و لكن ما هو هدي النبي r في ذلك هديه طردهم ضربهم أذيتهم و هو أحرص الناس على دعوة الخلق r ) ( ش ) .
) قال شيخنا حفظه الله : ( وأما قول: لا تعلق الناس بإنسان ، فيقال – أيضاً – : لا تعلق الناس لا بطبيب,ولا بمهندس, ولا طيار و لا بغير ذلك إذا كانت القضية قضية تعليق قلب أيضاً ، فلا تتعلق بأن الماء يأتي بالرَّي عند الظمأ و لا تتعلق بأن الطعام يأتي بالشبع عند الجوع و لا تتعلق بأن السيارة توصلك إلى مكان فأنت مسافر ولا تتعلق بأن النار تحرق إذا أنت أشعلتها و لا تتعلق و لا تتعلق إذا كانت القضية مطلق التعلق فعلى جميع الوجوه لا يصح القول إن الناس كل يرقي نفسه و لا يذهب إلى آخر ليرقيه و ليس هناك أحد فيه خصوصية في الرقية فهذا يعارض ما جاء في الشريعة الإسلامية,ويعارض ما عليه الحس الموجود اليوم و لو أخذ بالعلة التي ذكرها بعض من المانعين و دار المرء معها لما كان صحيحاً ) أ . هــ - ش -
|