ما يتعلق بحقيقة السحر هل له حقيقة أم لا ؟
ومعنى كلمة حقيقة: أي هل السحر نفسه سببٌ في التأثير أم لا ؟ أم أنّها حالة نفسية تأتي للإنسان, يَتَوَهَّمْ أن هناك شيئاً يؤثر فيه اسمه: السحر, وإلا السحر ليس له تأثير سببي في الحقيقة ؟
هذا فيه قولان :
الأول: مذهب الحنفية أن السحر ليس سبباً يؤثر في شيء ، و إنما هي خيالات يتخيلها الإنسان,وهذا يَدْعَمُ ما يذهب إليه الأطباء النفسانيون اليوم الذين يذهبون إلى: أن السحر ليس له حقيقة, وإنما هو خيالات و توهُّمات ونحو ذلك, فقولهم ليس كفراً و إنما هو أخذ بقول السادة الحنفية .
الثاني : أن السحر له تأثير سببي حقيقي,فيقع به الضرر والنفع بإذن الله,والجمع والتفريق بإذن الله وما إلى ذلك, وهذا هو مذهب الأكثر والجماهير,وهو معتمد مذهب السـادة الـمالكية ، و الشافــعية ، والـحنابلة ، وكــذا الظـاهرية ـــ على ما ذكــره ابن حزم في: » المُحَلَّى في شرح المُجَلَّى «, وذهب إليه الشوكاني في آخرين, وانتصر له جماعة ومن أولئك: شيخ الإسلام ابن تيمية – يرحمه الله –
؛ إذ إن النصوص الواردة دالة على كونه ذا أثرٍ ، و من ذلك شيئان :
§ الأول : قول الله تعالى في قصة :(هاروت وماروت) المختلف فيهما ؛هل هما مَلَكَان ، أم هما شيطانان ، أم غير ذلك من أقاويل في ذلك, ففيه ذكرُ التفريق والفتنة بين الزوج والزوجة ,والضُّر والنفع؛ ففيه اعتبارُ السببية, ولذلك قال الله ـ U ـ (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)(البقرة: من الآية102).
§ الثاني : قصةُ النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِرَ ,وتأثر بالسبب السحري , لا بتوهمات ونحوها, وكانت آثار السحر على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة :
الأثر الأول : الصداع الشديد, حتى إنه كان يدور في مَحَلِّهِ صلى الله عليه وسلم من شدة الوجع في رأسه .
الأثر الثاني : أثرٌ في عينه ؛ حتى خشي أن يفقد بصره صلى الله عليه وسلم.
الأثر الثالث : انصرافه عن الأكل والشراب, حتى أنه لَتـَمُرُ عليه الأيام كان لا يأكل ولا يشرب صلى الله عليه وسلم
الأثر الرابع : تركه لأهله ــ أي:لا يجامعهم ــ على خلاف هل هو خاصٌ بالسيدة عائشة ، أم بجميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم .
فهذه آثار السحر الأربعة التي وقعت على النبي صلى الله عليه وسلم , وهو المعصوم في التبليغ للشرع عن ربه بالإجماع ، ولا خلاف في ذلك, ولذا السحر ليس له تأثير على تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم لرسالة ربه, والوحي الذي يؤتاه صلى الله عليه وسلم ,وهو المعصوم من الوقوع في الكبائر عند أهل السنة و الجماعة, وهو المعصوم من أكثر الصغائر, وما فيه شُنْعَةٌ لعدم قبول الدعوة من الصغائر ــ أيضاــً بالاتفاق ، كما حكاه الإمـام القـرافي فـي آخـرين .
والمقصود: أن السحر كان له أثر, ويَخْرج عنه الآثار التي تتوهم:
من كونه لم يبلغ عن الله بسبب السحر, كما يدعيه بعض طوائف الشيعة الرافضة ــ قبحهم الله ــ ، وما يذهب إليه بعض من كون النبي صلى الله عليه وسلم وقع في محرمات أو نحو ذلك,فيجب التفريق بين الكبائر والصغائر, والصغائر نوعان :
منها: ما هو مُسْتَـَشْـنَع في عدم قبول الدعوة, فهذا معصوم منه صلى الله عليه وسلم , ومنها ما هو دون ذلك؛ فقد يقع من النبي صلى الله عليه وسلم عن غير قصدٍ ــ أي: لا عن إصرارــ وإلا هو مختار في فعله صلى الله عليه وسلم , فقول الفقهاء:"عن غير قصد" أي: عن غير إصرار, وليس المقصود : أنه مجبرٌ على ذلك؛ لكنه يوفق سريعاً إلى التوبة النصوح, وقبولها من الله صلى الله عليه وسلم في ذلك .
فدل هذان الخبران: على أن السحر سبب يؤثر حقيقة, وليس مجرد أوهام وخيالات كما ذهب إليه الحنفية, وما يذهب إليه كثير من الأطباء النفسانيين ـ اليوم ـ في المصحات النفسية المعروفة والطب النفساني ـ أيضا ـً . |