ما يتعلق بتصديق الساحر .
ما يتعلق بتصديق الساحر ؛ هل هو موجب للخروج عن الملة . على المذهب عند السادة الحنابلة ؟ .
المعتمد والمشهور فيه : هو أن المرء لا يخرج عن الملة إن صدق الساحر ، بعد الذهاب إليه ، هو الذي اعتمده المرداوي في : » الإنصاف « ، وكذا البهوتي في : كشاف القناع « في آخرين ، ومنه حديث : (( من أتى كاهناً أو عرافاً ، وصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد )) قال أصحاب المذهب : المراد كفر دون كفر ، وليس كفراً مخرجاً من الملة ، أو كفراً النعمة ، لا الكفر الذي يخرج من الإسلام ، كذا قالوا في تأول الحديث ، وعليه فإن المسألة فيها قولان :
§ الأول : هو أن ذلك موجبٌ للكفر . وأنه لا يجوز البتة المجيء بذلك التصديق لظاهر الحديث ، وهذا هو الذي جزم به ابن قيم الجوزية – يرحمه الله – كما في : شرح منازل السائرين «( ) .
§ الثاني : أن ذلك لا يوجب الخروج من الملة ؛ وإنما هو كفر دون كفر ،
أو كفر نعمة , وهو معتمد مذهب الحنابلة ، قال شيخ الإسلام عند الشافعية – أي زكريا الأنصاري – كما في : » أسنى المطالب « وهو مذهب الشافعية " أ. هـ ، وقرر ذلك الكاساني عن الحنفية – أيضاً – كما في : » بدائع الصنائع « في آخرين .
إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أمر في ذلك وهو : أنّ التصديق يأتي على جهتين :
§ الأولى : أن يصدق أن هناك من عنده شيء من خصائص الرب I فلا ريب أن ذلك كفر ، ولو قعد في بيته .
§ الثاني : ألا يصرف له شيء من خصائص الربوبية والإلهية وما إليها ؛ وإنما يصدق أن الساحر فيه شيئان :
¥ الأول : أنه يضر وينفع بإذن الله كسبب محرم شرعاً ، فإن الأسباب
نوعان :
¤ الأول : أسباب توصل إلى مُسَبِّبَاتٍ عادة ، وذلك جائز ، ومن ذلك : أنَّ الماء يُحْدِثُ الرَّي ، وأن النار تحرق وما إلى ذلك ، وقيل : هذا جبلَّة وطبع ؛ وأما السببية ففي غيرها ، ومن ذلك : الأمراض والاتقاء منها ، كأسباب معروفة ، ولذلك نُهي أن يدخل الإنسان على مريض إلى آخره .
¤ الثاني : أسباب محرمة شرعاً ، أو منهي عنها : كنهي كراهة أو تحريم ، ومن ذلك : السحر ، فإن السحر أثبت الشارع له ضرراً ونفعاً بإذن الله ، ونهى عنه ، وعن تعلمه – وهو معروف في قصة هاروت وماروت – بالإجماع ، قاله القرطبي – يرحمه الله – في : » أحكام القرآن « في آخرين .
¥ الثاني : أن يصدق بأنه يعمل السحر ، وعملية السحر سبق وصفها ، وهي : مركبة من نفثات شيطانية ، مع عقد وما إليه ، فإذا صدق أنه : يعمل السحر على عمله المشهور ، فإن ذلك لا شية فيه من حيث هو ، وكذا الأول لا شية فيه من حيث هو ، فهذان شيئان يصح التصديق بهما في حق الساحر ويجوز ، ولا حرج شرعاً في وقوع ذلك ؛ بل الأول الشرع أتى بإثباته فوّجب إثباته على وفق ما جاء في الشرع ، والثاني صحيحٌ من حيثُ عمليَّةُ السحر ، وقد ذكرها الأئمة ، ووقع ذلك للنبي r وَلَمَّا وصفوا طريقة سحره r ذكروا ذلك .
والخلاصة : أن التصديق إذا كان بذينك الأمرين الموصوفين آنفاً في الشق الثاني فلا شيء فيه ؛ وأما إذا كان من الأول فإنه كفر بواح ولو صرفه لنبيٍّ ، أو وليٍّ ، أو أبٍ ، أو نحْْوِ ذلك ، فلا يشترط فيه أن يكون لساحرٍ أصالة .
|